قيم هذا الكتاب
خواطر الشعراوي - سورة القارعة
بين (العيشة الراضية) و(الهاوية) شعرة واحدة.. اكتشفها في سورة القارعة!
هل تساءلت يوماً لماذا قد تصبح النار 'أُمّاً'؟ وكيف للجبال الشامخة أن تتحول فجأة إلى صوفٍ يتطاير في الهواء؟
في سورة القارعة، أنت أمام مشهد سينمائي مهيب يصور لك لحظة 'الاصطدام الكبير'. لحظة يضيع فيها الزحام ويصبح البشر كالفراش التائه، ليقف كل واحد منا أمام ميزان لا يرحم الأوهام.
ادخل في أعماق هذه السورة لتعرف السر الخفي الذي يجعل عيشتك 'ترضى' عنك، واكتشف لماذا سميت القارعة بهذا الاسم الذي يخلع القلوب.
الأفكار الرئيسية للكتاب
-
قرع القلوب: التهويل من شأن يوم القيامة بأسلوب النداء الصاعق (القارعة).
-
انهيار الكون: تصوير حالة الانكسار الكوني (الناس كالفراش، والجبال كالعهن).
-
عدالة الميزان: إثبات أن الجزاء مبني على دقة متناهية لا تجامل أحداً.
-
المصير النهائي: الانقسام الحتمي للبشر إلى منعم في "عيشة راضية" ومعذب في "هاوية".
-
بلاغة التصوير: استخدام تشبيه "الأم" للنار لبيان شدة احتضان العذاب للكافر.
ماذا تجد في الكتاب؟
-
الجرس الموسيقي: كلمات تنتهي بتاء مربوطة ساكنة توحي بالارتطام والقرع.
-
التدرج النفسي: تبدأ بالخوف والغموض، ثم المشهد الكوني، ثم المحاكمة، ثم الاستقرار في المصير.
-
العمق البياني: إحلال "اسم الفاعل" محل "المفعول" في (راضية) لبيان تفاعل النعيم مع صاحبه.
-
الترهيب التربوي: تذكير الإنسان بأن أهواءه وعواطفه يجب أن تنضبط بميزان الحق.
مُختصر المُختصر
تبدأ سورة القارعة بإيقاع زلزالي يقرع القلوب قبل الآذان؛ فهي "القارعة" التي تقرع الدنيا بأهوالها، وتخرج الناس من غفلتهم بصيحة مفاجئة. يستهل الله عز وجل السورة بأسلوب "التهويل والتجهيل" عبر قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}، لبيان أن كنه هذا اليوم يتجاوز حدود التصور البشري، ولا تدركه الأبصار إلا برؤية آثاره.
ينتقل السياق لتصوير انهيار النظام الكوني عبر مشهدين مهيبين: حال البشر: يتحولون إلى "فراش مبثوث"، دلالةً على الحيرة والاضطراب والتداخل، حيث يهرعون في كل اتجاه بلا هدف، ضعفاء أمام هول الموقف. وحال الجبال: تلك الرواسي الشامخة تتحول إلى "عهن منفوش"؛ أي صوف متطاير ملون، مما يعطي إيحاءً بفقدان الأرض لثقلها واستقرارها، وتلاشي كل مظهر من مظاهر القوة المادية.
ثم تنتقل السورة من مشهد الكون إلى مشهد الميزان، وهو الميزان الإلهي الذي يتسم بالدقة المتناهية والعدالة المطلقة. فالبشر ينقسمون إلى فريقين لا ثالث لهما: أصحاب الموازين الثقيلة: وهم من رجحت كفة إيمانهم وأعمالهم الصالحة، فجزاؤهم "عيشة راضية"؛ وصفها الله بالرضا للمبالغة، فكأن العيشة نفسها هي التي رضيت بصاحبها لدوام هنائه فيها. وأصحاب الموازين الخفيفة: وهم من خوت قلوبهم من الإيمان وصحائفهم من الصالحات، فمأواهم "الهاوية" التي سماها الله "أماً"، في استعارة بلاغية تقشعر لها الأبدان؛ فكما تحتضن الأم طفلها، تحتضن النار الكافر ضمةً لا فكاك منها، جزاءً على إعراضه وتكبره.
تختتم السورة بصورة "النار الحامية" التي لا تشبه نار الدنيا، لتكون رسالة ختامية توقظ الضمائر وتحفز النفوس للاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح.
الإقتباسات
“سورة القارعة هي سورة قصيرة تتحدث عن يوم القيامة وكأنك تراه رأي العين. فترى حقيقتها، ومعناها. وكلمة الْقارعة توحي بالقرع واللطم ، فهي تقرع القلوب بهولها.“
“ ميزان الحديد لا يجامل أحدًا، ولا يحابي أحدًا ، فكأني عندما أوصيك بالميزان، أوصيك بأن تكون في عواطفك مثل الحديد تماما، وإياك أن يكون لك هوى.“
“ "فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ". جاءت "رَّاضِيَةٍ" بدلاً من "مُرضية" للمبالغة في كمال الهناء، أو لتفيد بأن العيشة ذاتها هي التي رضيت بصاحبها وأحبته، ومن رضي بشيءٍ وأحبه استدام معه ولم ينفك عنه؛ فهي إذن عيشة أبدية لا تنقطع أبداً.“
“ "فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ" أي أمه نار. ومعناه أن النار تتهافت على المعذب بها، كما تتهافت الأم على وليدها فتحتضنه وتضمه، فكذلك يكون شأن النار.“
“ لن تدرك معنى قوله "فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ" إلا إذا تركت حدود المعنى الذي يعرفه البشر، ونظرت إلى المعنى الذي أراده الحق حين قرن الهاوية بالاستفهام والتهويل في قوله: "وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ".“
“ وهنا تقابل بين: "مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ" وبين: "مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ"، وتقابل بين: "عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ" وبين: "فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ" هذا التقابل عن الإخبار بأمر غيبي، المقصود منه أن ينعم المؤمنون بنعمة الرضا ونعمة عذاب غير المؤمن.“
“ فإذا كانت القارعة ستأتي بأوصافها التي أرادها الحق، وإذا كان الإنسان ستعرض أعماله للجزاء على ما فيها بمنتهى الدقة والعدل، فعلى ذلك يلقى كل إنسان جزاءه. المؤمن يأخذ جزاءه العيشة الراضية. والكافر يأخذ جزاءه الأم الهاوية. “
“ "يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ". أي كالفراش الذي يتهافت في النار، أو كغوغاء الجراد، يجول بعضهم في بعض. "وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ" أي يوم تكون الجبال كالصوف المنفوش؛ والعهن: هو الألوان من الصوف.“
““
قد يعجبك قرائتها ايضا